سميح عاطف الزين

236

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

فحياة محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم هي حياة الإنسان الذي أكرمه ربّه ، ومنّ عليه بالمحبة ، والرعاية والإعداد . . وإننا نختار ، للدلالة والتبيان فقط ، ثلاثا من الصفات التي منّ بها اللّه تعالى على محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في حياته ، وهي كفيلة بذاتها ، أن تشدّ كل ذي بصيرة ومنصف إلى التأمل وإدراك ما أراد اللّه تعالى من خلق محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وهداه : فقد وجده ربّه - تبارك وتعالى - يتيما فآواه ، ووجده عائلا فأغناه ، ووجده ضالا فهداه . . إذن فالمنّة الأولى كانت من اللّه تبارك وتعالى عندما صار يتيما فآواه . . لقد رأينا من قبل أنه فقد أبويه وهو في السادسة من عمره ، ولكنّ ربّه - عز وجلّ - وهو يصنع له مصيره ، قد هيأ له القلوب الكبيرة التي تحبه ، والأحضان الدافئة التي تحتضنه ، والنفوس الكريمة التي تربيه وترعاه ، فلا يكون طفلا مشردا ، هائما على وجهه ، يقف على الأعتاب متلمسا من يعطيه ما يسدّ به رمق جوعه ، أو يكسو عريه ، فينشأ عاجزا عن تدبّر نفسه ، فاقد الأمل والرجاء في حياة كريمة . . فظروف الحياة إجمالا قاسية على اليتيم ، ولولا المشاعر الإنسانية التي عرفت حقيقة اليتم وفداحة أضراره على اليتيم لما كانت تلك المؤسسات الإنسانية التي آلت على نفسها رعاية اليتامى ، لكي تؤهلهم للحياة . . وبفضل مثل هذه الرعاية ، برز في تاريخ البشرية أفذاذ كبار كانوا يتامى ، في الصغر ، وأعطوا الحياة الإنسانية ما لم يعطها غيرهم . ولو عدنا إلى البيئة التي عاش فيها محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لوجدناها قاسية ، جافة من المشاعر التي تحنو على اليتيم وترعاه . فالاعتبار الأول في تلك البيئة كان للقوة والسيف ، وللقبلية والعشائرية ، يحكمها الصراع على البقاء ، والأنانية الحادّة ، بعيدا عن اعتبارات الرأفة باليتيم والشريد ،